مما لاشك فيه أن الإعلام لم تعد السلطة الرابعة بل أصبحت السلطة الأولى وبامتياز, ومن لم يُجِدْ اللعب الإعلامي لابد وأنه سيكون ضحية لها , ومن لم يحسن استغلال أدواته الإعلامية فبالتأكيد ستخفق سياساته وخطابه السياسي , ففي لقاء تلفزيوني على قناة France 24 وفي برنامج (ضيف ومسيرة) التي تقدمها
الإعلامية (عزيزة نايت سي بها ) والتي كان ضيفها المعارض الكوردي السوري صلاح بدرالدين , تم طرح عديد المواضيع والقضايا والتي تخص الشأن الكوردي السوري في الظروف الراهنة , ولكن وللأسف لم يكن الضيف على قدر مسؤوليته التاريخية الكوردية , وأنا هنا على يقين مطلق من ديمقراطية السيد بدرالدين وبأنه سيتقبل النقد وسيسمح بالرأي الآخر كما سمح لنفسه بالنقد وإن كان نقده جارحا لبعض الأطراف , وسنسرد فيمايلي بعضا مما قاله حرفيا في اللقاء .
حيث قال : " كنت من الأوائل الذين دعوا الشباب الكورد للتظاهر " وهنا نذكر السيد بدرالدين بأن الشباب الكورد حينما نزلوا إلى الشارع وانضموا إلى الثورة السورية لم يتلقوا الدعم والعون والنصح من أي سياسي كوردي بل كانت ثورتهم شبابية بحتة لم تصبغها السياسة بأي لون في البداية , وبعد أن تبين بأنهم أصبحوا يمتلكون الشرعية رأينا كافة القوى السياسية الكوردية يبدئون بالتقرب منهم ويحاولون تبني مواقفهم , أي أن الشباب الكورد لم ينضموا للثورة بسبب دعوة سياسي هنا أو متسلق هناك , بل انضموا لأنها ثورتهم , ولأن القوى السياسية الكوردية لم تحقق لهم شيئا طوال الـ 60 عاما الماضية , فإذاً ليس من العدل أبدا أن يتسلق كائناً من كان على ظهور هؤلاء الشباب الأحرار ويسوقوا أنفسهم عرابي الثورة بشقها الكوردي .
وفي سؤال للمذيعة عن ما هو السبب في أن الصوت الكوردي لم يكن موحدا تجاه الثورة السورية أجاب السيد بدر الدين : " هناك انقسامات بين الأكراد قبل الثورة السورية وكان هناك فصائل وقسم من الأكراد يراهن على النظام وقسم آخر كان من المعارضة ومازال هذا الانقسام موجود حتى الآن !! وبعد أن بدت أن الثورة ستنتصر انقلب قسم من أولئك الأكراد المؤيدين إلى المعارضة ونرحب بذلك " , وهنا سألته المذيعة من هم هؤلاء ؟! فأجاب : " الأحزاب العشرة التي شكلت المجلس الوطني الكوردي , غالبية هذه الأحزاب كانت لها علاقات مع النظام وكانت تلك العلاقات بشكل علني ولم تخفي ذلك , وحتى إنشاء المجلس الوطني الكوردي لم يتبنى شعار إسقاط النظام وحتى الآن لم يتبنوا ذلك ولديهم مراهنة على إجراء حوار مع النظام لحد هذه اللحظة , أما الأحزاب الأخرى التي كانت في المعارضة سابقاً اصطفوا الآن وانضموا إلى التنسيقيات والشارع , واتحاد القوى الديمقراطية يمثل هذا الجانب ".
باعتقادي أن السيد بدرالدين قد أخطأ كثيراً هنا , فكان الأجدى به أن يقول بأن الانقسام موجود في كامل الشارع السوري وليس فقط في الشارع الكوردي وبأن الصوت العربي السوري أيضاً ليس موحدا تجاه الثورة السورية والدليل هو عدم انخراط الكثير من المناطق العربية في الثورة السورية حتى الآن – بغض النظر عن أسباب ذلك بالطبع – إلا أن السيد بدرالدين ابتعد كل البعد عن السياسة والدبلوماسية والحنكة وفضل أن ينشر الغسيل الكوردي وتحدث بشكل تخويني مبطن وبين للرأي العام بأن المجلس الوطني الكوردي هو مجلس مهادن مع النظام ويمد يده على الدوام للنظام , وهذا ما يخالف الواقع بشكل صارخ والدليل على ذلك بأن أحزاب المجلس الوطني الكوردي رفضوا اللقاء مع الرئيس السوري في بدايات الثورة السورية – وإن جاء ذلك القرار بعد جدالات - ولم يلعبوا أبدا تلك اللعبة التي غمز لها السيد بدرالدين في حديثه , ولا ننسى هنا أن اتحاد القوى الديمقراطية - التي ينتسب إليها السيد بدرالدين والتي أكن لها كامل التقدير والاحترام - قد قامت كرد فعل لتشكيل المجلس الوطني الكوردي وليس لأنها حاجة كوردية في الوقت الراهن , بالطبع لست هنا كي أدافع عن المجلس الوطني الكوردي أو غيره , فكل له ايجابياته وسلبياته وان اختلفت النسب , ولكن لا يجوز – على الأقل في الظروف الراهنة – أن نقوم بإقصاء يعضنا ونخون بعضنا , بل يتطلب من كافة الأطراف الكوردية أن يحاولوا التقرب من بعضهم ويحاولوا ردم الفجوات التي تحول بينهم وأن يحتووا بعضهم باحترام ووطنية .
وفي سؤال آخر للمذيعة عن انقسام الأحزاب الكوردية في سوريا وبأنه يعود إلى اختلاف في المرجعيات وبأنهم بين مطرقة البارزاني وسندان أوجلان , فأجاب صلاح بدرالدين : " هناك امتداد لحزب أوجلان ولهم تنظيم سوري كوردي , ولكن الأمر مختلف بالنسبة للعراق ليس هناك تنظيم تابع للحزب الديمقراطي الكوردستاني أو للاتحاد الوطني الكوردستاني , هناك فقط ولاءات , قد يكون هناك أحزاب لها ولاءات للحزبين , وهذا أمر مشروع, أما وضع حزب أوجلان يختلف , فهذا حزب له تاريخ من العلاقات مع النظام السوري , والآن لهم تنسيق وتعاون بينهم وبين النظام وهم جزء من هيئة التنسيق التي تطالب بالحوار مع النظام "
يكرر السيد بدرالدين الخطأ السابق ذاته , وأقصد هنا قضية التخوين , فخطاب السيد بدرالدين هو خطاب تفريقي , متماهي مساير في بعض الأحيان , عدواني في أكثر الأحيان , ونحن الذين كنا نتوقع خطابا توحيديا وطنيا دبلوماسيا منه , فلا يوجد على أرض الواقع حزب يدعى بحزب أوجلان , وبالتأكيد هو يقصد حزب الاتحاد الديمقراطي PYD , وكما هو معروف بأن هذا الحزب هو حزب كوردي سوري , وهو حزب يتمتع بشعبية طاغية لا يستطيع السيد بدرالدين أو غيره أن ينكرها . وإن تقاطعت إيديولوجية هذا الحزب مع إيديولوجية السيد أوجلان وإيديولوجية حزب العمال الكوردستاني PKK في بعض النقاط , فهذا ليس إثما أو نقيصة بل يعزز من دور هذا الحزب على الصعيد القومي , وهذا الأمر موجود عند أغلب الأحزاب الكوردية السورية , حيث تأثرت جميعها بمحيطها الكوردي, وهذه حالة طبيعية جدا, وأما عن طرحه بأن حزب PYD له علاقات مع النظام السوري , فيستطيع السيد بدرالدين أن يسأل – وأعتقد بأنه يعرف ذلك جيدا - عن نسبة المعتقلين الكورد والمحسوبين على حزب PYD في السجون السورية , وعن نسبة مشاركة هذا الحزب في المظاهرات اليومية في كافة المناطق الكوردية من ديريك في أقصى الشرق إلى عفرين في أقصى الغرب والتي تدعو لإسقاط النظام نهاراً جهاراً .
وفي سؤال آخر للمذيعة : هل الورقة الكوردية هي التي تسبب مخاوف لتركيا للتدخل في الثورة السوري بشكل أكبر .
فأجاب : " هناك بعض الأطراف الكوردية وبكل أسف تعرض نفسها على الدوام ومنذ عقود كورقة لتستغلل من هذا النظام أو ذاك النظام , وهذا أمر غير مقبول بالشارع الكوردي ولكن مثل هذه القوى موجودة والأنظمة تستغل هذه الورقة وكما نعلم استغل نظام حافظ الأسد هذه الورقة لمدة 20 عام وإيران والعراق استغلت هذه الورقة ضد تركيا , و الآن تركيا بالتأكيد تتخوف من هذه الورقة , والعلة ليس في الأنظمة بل العلة فينا وفي هذه الأطراف الكوردية التي تسمح بأن تستغل ورقتهم من اجل مصالح أنظمة أخرى "
وهنا يرتكب السيد بدرالدين خطأً سياسياً تاريخياً لا يليق به وبلقبه كسياسي كوردي , فكيف له أن يصور لنا دولة مثل تركيا كحمل وديع وكضحية تحالفات إقليمية ضده, ونحن الكورد نعلم جيدا بأن تركيا مستعدة للتحالف مع الجن والشياطين أو مع دولة في أقاصي الأرض عندما يتعلق الأمر بالكورد , ونعلم أيضاً أن تدخلها في الثورة السورية ليس كرمى لعيون السوريين بل لتخوفها من الوضع الكوردي الإقليمي ومحاولة منها تقويض الدور الكوردي السوري ضمن المعارضة السورية , وأيضا يصور السيد بدرالدين طرفاً كوردياً بأنه يعرض نفسه كورقة للأنظمة التي تحيط بالكورد , ويتهمها وحدها بذلك ويبرئ كل الأطراف الكوردية الأخرى من ذلك , ومن ثم يبرئ الأنظمة ويقول العلة فينا ككورد , باعتقادي أن السيد بدرالدين هنا تجاوز كل الخطوط الوطنية والقومية الحمراء , فالسياسة فن الممكن , وعدو الأمس قد يصبح صديق اليوم والعكس صحيح , والسياسية البراغماتية الواقعية هي سمة للسياسة المعاصرة , وإن كان هناك تحالف ما , في فترة ما , في مكان ما , فحتما ذلك لأسباب أمنية ولوجستية مؤقتة كانت تحكمها ظروف أكبر من أي طرف , وحتماً لم تكن تحالفات إستراتيجية , والدليل ما نراه على أرض الواقع , ولا يوجد أي حزب كوردي في أي مكان لم يسعى للحوار أو يطالب به , أو يذهب إلى طاولة المفاوضات , ولكن لم تكن تلك الحوارات والمفاوضات وتلك التحالفات المؤقتة أبداً على حساب الدم الكوردي والقضية الكوردية العادلة , بل كانت في خدمتها ومن أجلها , وإن اختلفت آليات العمل .
إن التوافق الكوردي في هذه المرحلة هو الطريق الوحيد لحل القضية الكوردية ولاسترداد الحقوق , وأي طريق غيره لن يفيدنا بشيء أبداً , ولتعبيد هذا الطريق نحتاج إلى الكثير من صفاء النفوس والإرادة الكاملة ودفن الأحقاد والضغائن ووأدها , وأن لا نبقى أسرى لأوهام وخيالات الماضي , وأن نستغل كل المنابر الإعلامية التي تتاح لنا بشكل يقربنا من بعض لا أن يفرقنا أكثر وأكثر , وعلى الحرس السياسي الكوردي القديم أن يدرك بأن الحرس الكوردي الجديد – وأقصد هنا الشباب الكورد الثائر– بأنهم على درجة رفيعة جداً من الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي , وبأنه لن يسمح أبداً أن يكون ضحية ترهل وكلاسيكية الحرس القديم وخطابه التفريقي اللامسؤول , فكونوا عوناً لهم وسنداً وطنياً قومياً رصيناً لهم ليكونوا شاكرين لكم , وإلا اجلسوا في بيوتكم وانعموا بأيامكم المتبقية وراقبوا الحرس الجديد وكيف به يسير بشعبه ومجتمعه وقضيته للأفضل وللأرقى , فالحاضر لهم , وكذلك المستقبل .
بقلم : دليار آمد
21 – 2 - 2012
Facebook : Dilyar Amed
راية الحرية













